أحمد ياسوف

322

دراسات فنيه في القرآن الكريم

وفي هذه الأمثلة يظهر أثر العصر ، فبيئة الجاهلي لا تستبعد كلمة ( بعاق ) ولا تستهجن خشونتها ، لأن الطبيعة كانت تميل إلى الخشونة ، في الحياة وفي الاستعمال اللغوي . وإذا طبّقنا رأيه في الآية : أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [ الواقعة : 69 ] فهذا يدعونا إلى تفضيل المزن على البعاق كما أراد ابن الأثير ، والمزن هاهنا تسهم في النّسق الموسيقى ، إذ يتكرر حرفا النّون والزّاي في هذه الآية . وبما أن الموقف موقف استلطاف واستمالة قلوب مع ذكر النّعم ، فإنّ لفظة البعاق ، تظلّ بعيدة ، ونافرة غير لائقة بالسّياق الموسيقى ، وكذلك لم يرد مثل هذه المفردة في القرآن الكريم ، ولعل مما يكره ، ويعدّ تفسيرا لتذوق ابن الأثير ، أن يفصل بين العين والقاف بمدّ ، وهما متقاربان حلقيّان ، فثمة حال خاصة من التركيب ، وليس بالقبح المطلق للحروف ذاتها ، والقرآن ذكر « عقر » و « يعقلون » و « عقد » وغيرها . هنالك وقفة حاول فيها ابن الأثير الاقتراب من التوضيح ، يقول تعالى : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ [ الأعراف : 133 ] ، يقول : « وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي الطّوفان والجراد والدم ، فلما وردت هذه الألفاظ بجملتها قدّم منها لفظتا الطوفان والجراد ، وأخّرت لفظة « الدّم » آخرا ، وجعلت لفظة القمّل والضّفادع في الوسط ، ليطرق السّمع أولا الحسن من الألفاظ الخمسة ، وينتهي إليه آخرا ، ثمّ إنّ لفظة الدّم أحسن من لفظة الطّوفان والجراد ، وأخفّ في الاستعمال ، ومن أجل ذلك جيء بها آخرا » « 1 » . ومما يدل على ضآلة الاهتمام بهذه القضية الموسيقية أن الرافعي أعاد

--> ( 1 ) المثل السائر : 1 / 148 .